فصل: تفسير الآيات (77- 78):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (73- 76):

{يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76)}.
التفسير:
قوله تعالى: {يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}.
مناسبة هذه الآية لما قبلها، هي أن الآيات السابقة تحدثت عن المشركين، وأنهم يعبدون من دون اللّه ما أملته عليهم أهواؤهم، دون أن يكون بين أيديهم كتاب سماوىّ يدعوهم إلى عبادتها، أو يكون معهم عقل دلّهم عليها، وأراهم منها ما تستحق به أن تؤلّه وتعبد.. ثم كشفت الآيات بعد ذلك عن موقف هؤلاء المشركين عند استماعهم لآيات اللّه إذا تلاها عليهم قال.. إنهم يضيقون بها، حتى لتكاد تختنق أنفاسهم منها.
وهنا في هذه الآية، يضرب اللّه سبحانه وتعالى لهم مثلا مجسما، يمكن أن يوضع موضع التجربة والاختبار من الناس، وخاصة المشركين، وهو أن يدعوا هذه الآلهة جميعها إلى أن يخلقوا كائنا من أضأل مخلوقات اللّه، وهو الذباب.
فإن فعلوا- ولن يفعلوا- فليكن لهم أن يجعلوها آلهة، وأن يعبدوها كما يعبد اللّه.. وإن لم يخلقوا جناح ذبابة- وهو ما تكشف عنه التجربة- فإن عبادتهم لها بعد ذلك، ضلال في ضلال: {أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} [191- 192: الأعراف].
هذا، وقد مرّ تفسير هذه الآية في أول هذه السورة، في مبحث الخالق وما خلق.
قوله تعالى: {ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
أي أن هؤلاء المشركين، قد جهلوا قدر اللّه، ونظروا إليه كما ينظرون إلى ما يكبر في صدورهم، من مخلوقات ومصنوعات.. فلم يجاوزوا بقدر اللّه ما يرفعه فوق هذه المعبودات، ويجعلها جميعا عابدة له، خاضعة لتصريفه فيها، بل إن ظنّهم باللّه، جعلهم يجعلونه إلها في مجمع هذه الآلهة، ومن أحسن الظنّ منهم باللّه، جعله إلها على رأس هذه الآلهة، تشاركه الملك والتدبير، وأن لهم بهذا أن يقربوهم إلى اللّه، وينزلوهم منازل الرضوان عنده، وقالوا: {ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى} [3: الزمر].
وفى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} إشارة إلى ما للّه سبحانه وتعالى من قوة ومن عزة، وأن قوته متفردة بالقوة كلها، لا قوة لأحد مع قوته، وأن عزته تملك العزة كلّها، لا عزّة لعزيز مع عزّته.. فكيف يسوغ لعاقل أن يستمدّ القوة والعزّة من غير مالك القوة والعزة؟ إن أي متجه يتجه إليه طالب القوة والعزة غير الاتجاه إلى اللّه وحده، هو سعى إلى تباب، واتجاه إلى بوار.
قوله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}.
هو بيان يكشف عن ضلال هؤلاء المشركين الذين يعبدون الملائكة، أو يعبدون بعضا من أنبياء اللّه ورسله، كما عبد بعض اليهود العزيز، وكما عبد بعض النصارى المسيح.. فهؤلاء، وأولئك- من الملائكة والرسل- هم عباد من عباد اللّه، وخلق من خلقه، اصطفاهم اللّه، وأكرمهم، ومنحهم ما منحهم من قوى وآيات.. ولن يخرج بهم هذا عن أن يكونوا عبيد اللّه.. فكيف يعبد العبد من دون السيّد، وكيف يؤله المخلوق مع الإله الخالق؟ ذلك سفه سفيه، وضلال مبين.
وفى قوله تعالى: {أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} تهديد لهؤلاء المشركين الذين يعبدون عباد اللّه، من دون اللّه.. فاللّه سبحانه {سَمِيعٌ} لمقولاتهم المنكرة في هؤلاء المخلوقين.. {بَصِيرٌ} بما يعملون من أعمال، وما يقدّمون من عبادات وقربات لهؤلاء المخلوقين.. وليس وراء هذا إلا الحساب، والجزاء، والعذاب الأليم.
قوله تعالى: {يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}.
هو تهديد ووعيد كذلك، لأولئك المشركين، وأن اللّه السميع البصير {يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}.
أي يعلم ما يعملونه قبل أن يعملوه.. {وَما خَلْفَهُمْ} أي ويعلم ما عملوا، وأنهم وأعمالهم سيردّون اللّه، ويحاسبون: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}.

.تفسير الآيات (77- 78):

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)}.
التفسير:
بهاتين الآيتين الكريمتين تختم السورة الكريمة.. وبهذا الختام، يلتقى بدؤها مع ختامها، كما يلتقى ختامها مع بدء السورة التي بعدها، وهى سورة المؤمنون.
فقد بدأت السورة هكذا: {يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} إنه نذير صارخ للناس جميعا، أن يأخذوا لأنفسهم من هذا اليوم العظيم، وأن يعملوا على ما ينجيهم من أهواله المهولة المفزعة.
وقد استجاب أناس لهذا النّداء، فآمنوا باللّه، وسعوا إلى مرضاته، ليخلصوا بأنفسهم من شر هذا اليوم العظيم.
ثم كانت السورة كلها بعد ذلك، دعوة إلى اللّه، وإلى كشف الطريق إليه، وإرسال النذير بعد النذير، إلى الضالين، والمشركين، الذين أمسكوا على ما في قلوبهم من كفر وضلال.
ثم كانت حصيلة هذه النّذر، هؤلاء المؤمنين الذين دخلوا في دين اللّه، واستجابوا لرسول اللّه.. فكان أن دعاهم اللّه سبحانه وتعالى إليه، وخصّهم بخطابه، ورفدهم بوصاياه، ليثبتوا على الإيمان، وليعملوا على طريق الإيمان، وليغرسوا في مغارسه.
فقال سبحانه، مخاطبا عباده المؤمنين:
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، فليس الإيمان باللّه مجرد كلمة ينطق بها اللسان، وإنما الإيمان: قول، وعمل، إقرار باللسان، واعتقاد في القلب، وعمل بالجوارح.
فالدعوة إلى الركوع والسجود- وهما من أركان الصلاة- دعوة إلى الصلاة، وأمر بإقامتها كاملة، وأدائها على وجهها، وما تقضى به من ولاء وخشوع للّه ربّ العالمين: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}.
فالركوع والسجود ليسا مجرد حركتين من حركات الجسد، وإنما هما- قبل كل شيء- خضوع بالقلب، وخشوع بالنفس، وتسربل بحال من الرهبة والخشية للّه، بحيث يجد الإنسان لهذه الرهبة والخشية ما يندكّ به بناؤه الجسدى، فيركع تحت وطأة هذا الحمل الثقيل.
ثم لا يلبث أن يهوى ساجدا حتى يضع جبهته على الأرض.. وهنا يجد الرضا من ربّه، والكرامة والتكريم من سيده.. فيدعوه إلى أن يرفع وجهه عن هذا التراب الذي لصق به.
وهكذا، يظل المصلّى بين يدى اللّه، في ركوع وسجود، وفى خفض ورفع، حتى يختم صلاته، وهو متمكن على هذه الأرض، مسئول عليها استيلاء ذى السلطان على سلطانه! وقوله تعالى: {وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ} هو أمر بالعبادة مطلقا، فيما فرض اللّه من عبادات غير الصلاة، كالصوم، والزكاة، والحج، وفيما أمر به من ذكره تعالى، والجهاد في سبيله، والسعى في طلب الرزق.. فكلها عبادات وطاعات وقربات.
وقوله تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} هو أمر بكل خير، وراء هذه العبادات، من الإحسان إلى الناس بالقول والعمل، ومن الحكم بين الناس بالعدل، ومن أداء الأمانات إلى أهلها.. إلى غير ذلك ما هو خير وحسن، ومعروف.
وفى قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} إشارة إلى أن هذه الأعمال كلها،- وعلى رأسها الإيمان باللّه- هي مما ترجى به النجاة، من عذاب اللّه، والفوز برضوانه.
إنها مجرّد وسائل يتوسل بها الإنسان إلى ربه.. أما إنجاح هذه الوسائل وتقبلها من صاحبها، فذلك أمره إلى اللّه، وإلى مشيئة اللّه في عبده.. وهذا هو السرّ في تصدير الخبر بحرف التمنّي لعل.
إذ ليس لأحد على اللّه حق يطالبه به.. وإنما اللّه سبحانه وتعالى هو الذي يطلب، وعلى عباده أن يمتثلوا، ويؤدوا ما طلب منهم، وأن يكونوا بعد ذلك على رجاء من القبول والرضا.
قوله تعالى: {وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}.
هو عطف على ما جاء في الآية السابقة من أمر بالركوع والسجود وعبادة اللّه وفعل الخير.
والجهاد وإن كان مما تضمنه هذا الأمر، إذ هو من عبادة اللّه، ومن فعل الخير معا فقد خصّ بالذكر هنا لما له من مقام كبير، بين العبادات وأفعال الخير، ولما فيه من مخاطرة بالنفس، والمال، وهما أعلى ما يملك الإنسان، وأولى ما يحرص عليه ويضنّ به.
وفى قوله تعالى: {حَقَّ جِهادِهِ} تأكيد لهذا الجهاد، وبيان للصفة التي يكون عليها، وهو أن يكون خالصا للّه، وفى سبيل اللّه، لا يبتغى به شيء غير وجه اللّه.. وهنا يكون البذل للمال والنفس هيّنا، إذا نظر إليه في مقابل ثواب اللّه، وابتغاء رضوانه.
وفى قوله تعالى: {وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ} بتعدية الجهاد بحرف الجر {فى} إلى لفظ الجلالة، {الله} وإلى سبيل اللّه، كما جرى ذلك في الأسلوب القرآنى- في هذا ما يشير إلى قدر الجهاد، وإلى أنه للّه وحده، ومن أجل ذاته سبحانه- ولوجهه خاصة- فحرف الجر هنا للسببية.
ومن جهة أخرى، فإن الجهاد في اللّه هو جهاد عام، يشمل الجهاد في سبيله وغيره، كالأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، ومجاهدة النفس، ونحو هذا، مما يعلى كلمة اللّه، ويقيم دعائم الحق، ويثبت أركانه.. وهذا مثل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (69: العنكبوت)- وقوله تعالى: {هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} هو تعليل للأمر بالجهاد، وداعية إلى امتثال هذا الأمر، لأنه صادر من اللّه الذي اجتبى أي اختار هذه الأمة.. واصطفاها من بين الأمم لحمل رسالة الإسلام، آخر الرسالات، وأكملها، فهم لهذا مطالبون بأن يكونوا رسلا يحملون دعوة الإسلام، وجنودا يدافعون عنها، ويبذلون النفس والمال في سبيلها.. إنها أمانة، هم أهل لحملها، إذ قد اجتباهم اللّه لها، وخصّهم بها.
ثم إن هذه الرسالة- رسالة الإسلام- مع ما فيها من دعوة إلى بذل النفس والمال، بالجهاد في سبيل اللّه- فإنها رسالة قائمة على الرحمة والعدل، ليس فيها حرج ومشقة على أهلها، إذ أن من أسسها العامة أنه {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها}.
وأن كل إنسان يحمل من تكاليفها وأوامرها قدر ما يستطيع، وفى هذا القدر تحقيق لأدنى المطلوب.
ففى باب الجهاد مثلا، يبدأ الجهاد بمجاهدة النفس، وكفها عن المحرمات، وردّها عن الأهواء والشهوات، وهذا وإن كان الجهاد الأكبر، كما سماه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فإنه قريب من كل إنسان.. إنه أقرب شيء إليه، لا يتكلّف له مالا، ولا يبذل له نفسا.. ومع هذا فهو درجات.. يبدأ بالكف عن الكبائر، وينتهى بالانتهاء عن اللّمم والصغائر.
ومن الجهاد مثلا.. الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.. فهو مجاهدة بالقلب وباللسان، لا بالنفس ولا بالمال.
وفى باب الجهاد كذلك، رفع اللّه الحرج عن الضعفاء والمرضى، وأصحاب العاهات، ونحوهم، وأعفاهم من الجهاد بأنفسهم.. {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [91: التوبة].
وقل مثل هذا في جميع أوامر الشريعة وأحكامها.. إنها شريعة قائمة على اليسر ورفع الحرج، وفى هذا يقول اللّه تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [16: التغابن] أي في حدود ما تحتمل أنفسكم، وما تتسع له طاقاتكم.
وفى الحديث الشريف: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
وفى الحديث أيضا: «إن هذا الدين ذلول لا يركب إلا ذلولا» أي إن هذا الدين سمح سهل، لا ينتفع به إلا إذا أخذ سمحا سهلا، تتقبله النفوس، وتنشرح له الصدور.. شأنه في هذا شأن الطعام، لا يفيد منه الجسم، إلا إذا طابت له النفس، واشتهته، واستساغت طعمه، واستطابت مضغه وبلعه.
وفى الحديث أيضا: «لا تبغّض إلى نفسك عبادة اللّه» وذلك بالقسوة عليها، وبحملها على ما هو شاق، وبين يديها القريب الميسور! وفى الحديث: «ما خيّر الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه بين أمرين، إلا اختار أيسرهما».
وقوله تعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ}.
الملة، الشريعة، وهى منصوبة على الإغراء.. أي الزموا هذه الملة، ملة أبيكم إبراهيم.
وقوله تعالى: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} أي أنه هو الذي طلب من اللّه أن تكون من ذريته تلك الأمة المسلمة التي هي أنتم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى على لسان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: {رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} [128: البقرة].
فالداعيان، هما إبراهيم وإسماعيل، ودعوتهما، هي أن يكونا مسلمين للّه وأن يجعل منهما- أي من إبراهيم، وإسماعيل- أمة مسلمة.. وأن يبعث فيهم رسولا منهم كما يقول اللّه تعالى على لسانيهما بعد ذلك: {رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [129: البقرة].
فالنبىّ صلى اللّه عليه وسلم، هو دعوة إبراهيم كما قال صلى اللّه عليه وسلم: «أنا دعوة إبراهيم».
وكذلك أبناء إبراهيم من ذرية إسماعيل، هم الأمة المسلمة، وهم الدعوة المستجابة لإبراهيم.
قوله تعالى: {وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ}.
الإشارة هنا بهذا، إلى قوله تعالى: {هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} أي وفى هذا الاجتباء، ورفع الحرج عنكم، سبب لأن يكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس.
وشهادة الرسول على أمته، هو أن يشهد بأنه بلّغ رسالته فيهم، ودعاهم إلى الإيمان باللّه، وإلى الاستقامة على ما شرع اللّه لهم من عبادات وأحكام.
وهو بهذه الشهادة يدين كلّ من أبى وقصّر.
أما شهادة هذه الأمة على الناس، فهى مثل شهادة الرسول عليهم.
أي أنهم بمنزلة الرسول في الناس، يدعونهم إلى اللّه، ويبلغونهم رسالة الإسلام، وهم بهذه الشهادة يدينون كلّ من أبى الاستجابة لهم، والدخول في دين اللّه معهم.
وهذه المنزلة التي رفع اللّه بها قدر هذه الأمة، وأعلى بها شأنها في الناس، وجعل لها بها ما للرسل في أقوامهم- هذه المنزلة العالية الرفيعة، هي أمانة، لا يحملها إلا أولو العزم من الناس، ومن هنا كان واجبا على كل مسلم أن ينهض بحمل هذا العبء، وأن يرى الناس منه، في قوله وعمله، من استقامة الخلق، واعتدال السلوك ما يرى الناس في الأنبياء والرسل.
فيا ليت قومى يعلمون هذا الشرف العظيم، الذي قلده اللّه سبحانه وتعالى إياهم، وهذا الواجب الكريم الذي أناطه بهم، وهذا المقام الرفيع الذي أقامهم على الناس فيه..!!
إن أي مسلم لا يرى- بعمله، وعلمه، وقدره في الناس- أنه في مكان القيادة من المجتمع الإنسانى، فهو ليس من الإسلام في شيء.. إنه لن يكون في المسلمين الذين يشهدون على الناس يوم القيامة.
وقوله تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}.
هو تذكير برسالة المسلم، وبتلك المؤهلات التي يحقق بها هذه الرسالة، ويكون من الشهداء على الناس.. وذلك بأن يقيم الصلاة، ويؤتى الزكاة، وأن يعتصم باللّه، ويجعل وجوده كلّه للّه، وباللّه.. وذلك هو الذي يضمن له علوّا، ونصرا وعزّا.. {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ}.